محمد الريشهري
254
موسوعة العقائد الإسلامية
يَأتيهِ بِها ولَم يُمَلِّكهُ ثَمَنَ ما يَأتيهِ بِهِ مِن حاجَتِهِ ، وعَلِمَ المالِكُ أنَّ عَلَى الحاجَةِ رَقيباً لا يَطمَعُ أحَدٌ في أخذِها مِنهُ إلّابِما يَرضى بِهِ مِنَ الثَّمَنِ ، وقَد وَصَفَ مالِكُ هذَا العَبدِ نَفسَهُ بِالعَدلِ وَالنَّصَفَةِ « 1 » وإظهارِ الحِكمَةِ ونَفيِ الجَورِ ، وأوعَدَ عَبدَهُ إن لَم يَأتِهِ بِحاجَتِهِ أن يُعاقِبَهُ عَلى عِلمٍ مِنهُ بِالرَّقيبِ الَّذي عَلى حاجَتِهِ أنَّهُ سَيَمنَعُهُ ، وعَلِمَ أنَّ المَملوكَ لا يَملِكُ ثَمَنَها ولَم يُمَلِّكهُ ذلِكَ . فَلَمّا صارَ العَبدُ إلَى السّوقِ وجاءَ لِيَأخُذَ حاجَتَهُ الَّتي بَعَثَهُ المَولى لَها ، وَجَدَ عَلَيها مانِعاً يَمنَعُ مِنها إلّابِشِراءٍ ولَيسَ يَملِكُ العَبدُ ثَمَنَها ، فَانصَرَفَ إلى مَولاهُ خائِباً بِغَيرِ قَضاءِ حاجَتِهِ ، فَاغتاظَ مَولاهُ مِن ذلِكَ وعاقَبَهُ عَلَيهِ . ألَيسَ يَجِبُ في عَدلِهِ وحُكمِهِ ألّا يُعاقِبَهُ وهُوَ يَعلَمُ أنَّ عَبدَهُ لا يَملِكُ عَرَضاً مِن عُروضِ الدُّنيا ولَم يُمَلِّكهُ ثَمنَ حاجَتِهِ ، فَإِن عاقَبَهُ عاقَبَهُ ظالِماً مُتَعَدِّياً عَلَيهِ مُبطِلًا لِما وَصَفَ مِن عَدلِهِ وحِكمَتِهِ ونَصَفَتِهِ ، وإن لَم يُعاقِبهُ كَذَّبَ نَفسَهُ في وَعيدِهِ إيّاهُ حينَ أوعَدَهُ بِالكَذِبِ وَالظُّلمِ اللَّذَينِ يَنفِيانِ العَدلَ وَالحِكمَةَ ، تَعالى عَمّا يَقولونَ عُلُوّاً كَبيراً . فَمَن دانَ « 2 » بِالجَبرِ أو بِما يَدعو إلَى الجَبرِ فَقَد ظَلَّمَ اللَّهَ ونَسَبَهُ إلَى الجَورِ وَالعُدوانِ ، إذ أوجَبَ عَلى مَن أجبَرَ [ هُ ] العُقوبَةَ . ومَن زَعَمَ أنَّ اللَّهَ أجبَرَ العِبادَ فَقَد أوجَبَ عَلى قِياسِ قَولِهِ إنَّ اللَّهَ يَدفَعُ عَنهُمُ العُقوبَةَ . ومَن زَعَمَ أنَّ اللَّهَ يَدفَعُ عَن أهلِ المَعاصِي العَذابَ فَقَد كَذَّبَ اللَّهَ في وَعيدِهِ ، حَيثُ يَقولُ : بَلى مَنْ كَسَبَ سَيِّئَةً وَأَحاطَتْ بِهِ خَطِيئَتُهُ فَأُولئِكَ أَصْحابُ النَّارِ هُمْ فِيها خالِدُونَ « 3 » ، وقَولَهُ : إِنَّ الَّذِينَ يَأْكُلُونَ أَمْوالَ
--> ( 1 ) . أنصفت الرجل : عاملته بالعدل والقسط . والاسم : النصفة ( المصباح المنير : ص 608 « نصف » ) . ( 2 ) . دان بدينهم : أي اتبعهم ووافقهم عليه ( النهاية : ج 2 ص 149 « دين » ) . ( 3 ) . البقرة : 81 .